Skip to Content

الفرز العكسي للموظفين وقانون جريشام

March 3, 2026 by
Mahmoud Awed
| No comments yet

      تخيل مؤسسة يعمل فيها موظفان: الأول مبدع، طموح، يبحث عن التحديات ويقدم أفكاراً مبتكرة. الثاني يؤدي الحد الأدنى المطلوب، يختبئ خلف المهام الروتينية ويتجنب المسؤولية. بعد عامين، يغادر الأول إلى منافس يقدّر موهبته، ويبقى الثاني ليحتل موقعاً لا يستحقه. هذه ليست قصة خيالية، بل واقع مرير تسميه إدارة الموارد البشرية "إهدار الأصول البشرية" و "الفرز العكسي".

الإشكالية ليست في وجود موظفين ضعاف، بل في غياب الآليات التي تميز بين الموهوب والعادي، مما يخلق بيئة طاردة للمبدعين وجاذبة للمقصرين. في هذا المقال، نستعرض الجذور العلمية لهذه الظاهرة، ونحلل تأثيرها المدمر، ونقدم استراتيجيات عملية لمنعها.

  1. ما المقصود بـ "إهدار الأصول البشرية" و"الفرز العكسي" من منظور علمي؟
  2. كيف يؤدي قانون جريشام في الإدارة إلى طرد الموظفين الأكفاء؟
  3. لماذا تصبح البيئة غير المنضبطة "جنة" للموظف الفاشل؟
  4. ما هي مخاطر متلازمة الحوض الممتص (Cesspool Syndrome) في المؤسسات؟
  5. ما هي أحدث الممارسات العالمية في إدارة الأداء التي تمنع الهدر والفرز العكسي؟

 

  1. ما المقصود بـ "إهدار الأصول البشرية" و"الفرز العكسي" من منظور علمي؟

      مصطلح "إهدار الأصول البشرية" (Waste of Human Resources) ليس مجرد تعبير إنشائي، بل هو مفهوم راسخ في أدبيات الاقتصاد والموارد البشرية. تشير موسوعة المشكلات العالمية إلى أنه يعني "الاستخدام غير المنتج للموارد البشرية" أو "تآكل رأس المال البشري". بل إن الفكرة تمتد جذورها إلى آدم سميث، الذي اعتبر "مهارة العامل المكتسبة" جزءاً من رأس المال الثابت للأمة، وشبهها بالآلة التي تسهل وتختصر العمل، وتعيد تكلفتها بربح. الفرق الجوهري اليوم أن رأس المال المالي أصبح سلعة عالمية متاحة، بينما المهارات والمواهب البشرية أصبحت المورد الحاسم للنجاح الصناعي. إهدار هذا المورد يعني إهدار الفرصة الحقيقية للتطور.

بينما مصطلح "الفرز العكسي "(Reverse Sorting) هو الحالة المرضية التي تحل محل التقييم الموضوعي، فبينما يفترض بنظام التقييم أن يصعد بالأجود ويثبت الأصلح، يؤدي الخلل الإداري إلى النقيض تماماً. إنها العملية التي تنتج عنها بقاء العناصر الأقل كفاءة (التي تتقن الاختباء خلف الروتين) ورحيل العناصر الأكثر إبداعاً (التي تبحث عن بيئة محفزة). هذا المصطلح وإن كان أقل شيوعاً في الأكاديميا من مصطلح "هدر رأس المال البشري"، إلا أنه يعبر بدقة عن ناتج الفشل التقييمي.

  1. 2. كيف يؤدي قانون جريشام في الإدارة إلى طرد الموظفين الأكفاء؟

يؤدي قانون جريشام في الإدارة إلى طرد الموظفين الأكفاء من خلال ديناميكية تشبه المبدأ الاقتصادي الذي ينص على أن "العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة". وفي السياق التنظيمي، تظهر هذه الظاهرة عندما يدفع المديرون غير الأكفاء، أينما وجدوا، الموظفين الأكفاء بالضرورة إلى المغادرة.

وتتم هذه العملية من خلال الآليات التالية:

  • هروب الكفاءات الأكثر قدرة على الحركة: يُعد الموظفون الأكثر كفاءة هم الأقدر على إيجاد فرص بديلة في سوق العمل، لذا فعندما تسوء الإدارة، يكونون هم أول من يغادر المنظمة بحثاً عن بيئات عمل أفضل، تاركين خلفهم من يفتقرون إلى البدائل المهنية.
  • الشعور بالتهديد من "الدماء الجديدة": في المنظمات المتراجعة، يشعر الموظفون والمديرون الذين تقيدهم "نقائصهم الخاصة" بالتهديد من المرشحين الأذكياء والموهوبين الجدد. خوفاً على مكانتهم، قد يلجأ هؤلاء إلى إحباط أو استبعاد المتقدمين الواعدين للوظائف لصالح أفراد لا يشكلون تهديداً لهم، مما يرسخ مقولة أن "الفاشلين لا يوظفون إلا فاشلين مثلهم".
  • تحفيز "دوران العقول" لصالح المنافسين: عندما يغادر المبتكرون والموظفون الأكثر قيمة المنظمة بسبب سوء الإدارة، فإنهم غالباً ما ينتقلون للعمل لدى المنافسين في نفس السوق. يمثل هذا "ضربة مزدوجة" للمنظمة، حيث تفقد أصولها البشرية الأكثر قيمة وتمنح في الوقت ذاته ميزة تنافسية لمنافسيها.
  • متلازمة "الحوض الممتص" (Cesspool Syndrome): تؤدي هذه الديناميكية في المنظمات المتدهورة إلى حالة يطفو فيها "غير الأكفاء" إلى القمة، بينما يغادر المؤهلون في وقت مبكر، مما يؤدي في النهاية إلى بيئة تنظيمية تفتقر إلى الكفاءات اللازمة لتوفير التوجه المستقبلي للمنظمة أو إنقاذها من الانهيار.
  • تآكل ميزانيات التدريب: مع مغادرة الموظفين المؤهلين، قد تعمد المنظمات المتراجعة إلى تقليص ميزانيات التدريب في الوقت الذي يحتاج فيه الموظفون المتبقون (الأقل كفاءة) إلى مزيد من التطوير، مما يسرع من دوامة التدهور التنظيمي.

  1. 3. لماذا تصبح البيئة غير المنضبطة "جنة" للموظف الفاشل؟
  2.        عندما يصطدم الطموح بجدار الرتابة، حيث أن الموظف الجيد بطبيعته يبحث عن التطور، ويعتمد على المعايير ليتنقل من المهام الروتينية إلى المهام الإبداعية التي تستخدم ذكاءه وقدراته. عندما يجد نفسه في مؤسسة بلا نظام تقييم واضح، يبدأ بالاصطدام بعدة حقائق مؤلمة:

    • تساوي المجتهد والمقصر: عندما يرى أن "نفس الشغل" يطلبه المدير منه ومن زميله الضعيف، دون أي تمييز أو تشجيع معنوي، يبدأ شعور الإحباط بالتسلل.
    • غياب العدالة الإجرائية: يؤكد بحث نوهريا وغرويسبرغ ولي (2008) أن أحد الدوافع الأربعة الأساسية للموظف هو "الحافز للدفاع"، والذي يتطلب شفافية وعدالة في منح المكافآت والتكليفات. عندما تغيب هذه العدالة، يشعر الموظف بالتهديد ويزداد مستوى مقاومته أو رغبته في المغادرة .
    • فقدان المعنى: الموظف الموهوب يحتاج إلى "الحافز للاستيعاب" (Drive to Comprehend)، أي فهم دوره وأهميته. عندما يتحول عمله إلى روتين مكرر، يفقد الوظيفة معناها .
  3.  

    1. 4. ما هي مخاطر متلازمة الحوض الممتص (Cesspool Syndrome) في المؤسسات؟
  4.       تُمثل متلازمة الحوض الممتص (Cesspool Syndrome) حالة خطيرة تصيب المنظمات المتراجعة، حيث تؤدي إلى ديناميكية معاكسة للمنظمات الناجحة؛ فبينما يرتفع "القادة الأكفاء" إلى القمة في المؤسسات السليمة، تطفو "النفايات المهنية" (الأفراد غير الأكفاء) إلى القمة في المؤسسات المتدهورة.

    وتتمثل أبرز مخاطر هذه المتلازمة وفقاً للمصادر فيما يلي:

    •  خروج الكفاءات المبكر (الهروب الجماعي): أولى مخاطر هذه المتلازمة هي مغادرة الموظفين الأكثر كفاءة وموهبة أولاً، لأنهم يمتلكون القدرة الأكبر على الحركة وإيجاد بدائل مهنية جذابة . هذا الرحيل المبكر يترك المنظمة في أيدي الأفراد الأقل كفاءة والأقل قدرة على توفير توجه مستقبلي ناجح.
    • إعاقة التعافي وتسريع الانهيار: يؤدي فقدان الموظفين المؤهلين -الذين تمتلك المنظمة أمسّ الحاجة إليهم لإنقاذها- إلى شلّ قدرة المؤسسة على التعافي، مما يؤدي بالتبعية إلى تسريع وتيرة انهيارها.
    • تفعيل "قانون جريشام في الإدارة": تعمل هذه المتلازمة كنسخة إدارية من قانون جريشام، حيث يقوم المديرون غير الأكفاء بدفع الموظفين الأكفاء بالضرورة إلى المغادرة.
    • سيادة ثقافة "الفاشلين يوظفون الفاشلين" : في بيئة الحوض الممتص، يشعر الموظفون المتبقون (المقيدون بنقائصهم) بالتهديد من المرشحين الأذكياء والموهوبين الجدد. خوفاً على مناصبهم، قد يلجأ هؤلاء إلى "إحباط أو استبعاد" المتقدمين الواعدين لصالح أفراد غير موهوبين (التباعين) لا يشكلون خطراً عليهم، مما يضمن استمرار تدهور المستوى العام للكفاءة.
    • فقدان القدرة على الابتكار (صدمة صانعي المطر): عندما يغادر "صانعو المطر" (الموظفون المبتكرون)، تفقد المنظمة قدرتها على اقتناص فرص السوق. والأسوأ من ذلك أن هؤلاء المبتكرين غالباً ما ينتقلون إلى المنافسين، مما يمثل "ضربة مزدوجة"؛ حيث تفقد المنظمة قيمتها وتمنح في الوقت ذاته ميزة تنافسية لمنافسيها.
    • الدخول في "دوامة الموت التنظيمي" : مع مغادرة الأكفاء، غالباً ما تقوم المنظمات المتراجعة بتقليص ميزانيات التدريب في الوقت الذي يحتاج فيه الموظفون المتبقون (الأقل مهارة) إلى مزيد من التطوير، مما يعمق حالة "الأنيميا التنظيمية" (Organizational Anorexia)
    • تراجع الإنتاجية وفشل التخطيط الاستراتيجي: غالباً ما يفشل المديرون في إدراج تأثير فقدان الكفاءات ضمن خططهم الاستراتيجية، مما يفسر سبب استمرار تدهور الإنتاجية حتى بعد إجراء عمليات إعادة هيكلة أو تقليص للعمالة.
    1. 5. ما هي أحدث الممارسات العالمية في إدارة الأداء التي تمنع الهدر والفرز العكسي؟
  5.       تستطيع المؤسسة اكتشاف وجود مديرين غير أكفاء يطردون المواهب من خلال مجموعة من الأدوات الرقابية والتحليلية التي ترصد التغيرات في بيئة العمل وتكلفة فقدان الكفاءات، وأبرز هذه الطرق هي:

    • تطبيق نظام "محاسبة الأصول البشرية" (HRA): يعد هذا النظام أداة حيوية، حيث يساعد الإدارة في تحديد خسائر دوران العمالة بشكل دقيق. فعلى سبيل المثال، نفذت شركة AT&T مشروع "Force-loss" الذي مكنها من حساب العائد على الاستثمار البشري وتحديد قيمة الخسارة المالية المترتبة على استقالة الموظفين قبل استرداد تكاليف تدريبهم . إن فشل المدير في إدراج خسارة الموظفين ذوي القيمة العالية ضمن خططه الاستراتيجية يعد مؤشراً على سوء الإدارة ويؤدي إلى استمرار تراجع الإنتاجية.
    • استخدام استبيانات المناخ التنظيمي والسلوك القيادي: يرى "رينسيس ليكرت" أن قياس حالة "المنظمة البشرية" يكشف عن مدى كفاءة المديرين في استخدام المبادئ الإدارية التي تحقق أفضل أداء. وتستخدم المؤسسات استبيانات دورية لقياس سلوك القيادة الإدارية والمناخ التنظيمي؛ فإذا كانت الدرجات منخفضة في هذه المتغيرات "السببية"، فإنها تؤدي بالضرورة إلى نتائج سيئة في الكفاءة الإنتاجية .
    • مراقبة أنماط دوران العمالة (Gresham’s Law in Management): تكتشف المؤسسة وجود خلل إداري عندما يغادر الموظفون الأكثر كفاءة وموهبة أولاً؛ لأنهم يمتلكون أكبر قدرة على الحركة وإيجاد بدائل.هذا الهروب الجماعي للكفاءات يعد تطبيقاً لـ "قانون جريشام" حيث يقوم المديرون غير الأكفاء بدفع الأكفاء بالضرورة إلى المغادرة.
    • إجراء مسوحات الاتجاهات الوظيفية: تساعد هذه المسوحات في تمييز الموظفين ذوي "اتجاهات الدوران" (Turnover attitudes)، وهم الذين يغادرون المنظمة لأنهم لا يحبون عملهم ويمتلكون بدائل خارجية. إذا زادت نسبة هؤلاء، فهذا يشير إلى فشل المدير في خلق بيئة عمل محفزة أو ربط الموظف بالمنظمة.
    • تقييم الأداء بنظام التغذية الراجعة 360 درجة: يتيح هذا النظام تقييم المدير من قبل مرؤوسيه وزمالئه وليس فقط رؤسائه. ويمكن من خلاله كشف التحيزات الشخصية أو السلوكيات الذاتية للمديرين التي قد تؤدي إلى إحباط الموظفين الأكفاء، خاصة إذا كان المدير يشعر بالتهديد من "الدماء الجديدة" الموهوبة ويعمد إلى استبعادها .
    • تحليل قرارات الترقية والحركية الداخلية : إذا كانت قرارات الترقية والتعاقب الوظيفي تعتمد على بيانات ذاتية (مشاعر) بدلاً من تقييم موضوعي للمهارات، فهذا مؤشر قوي على وجود إدارة غير كفؤة تخاطر بفقدان المواهب. ففي بيئات "الحوض الممتص" (Cesspool)، يلجأ المديرون الفاشلون إلى توظيف أو ترقية أفراد لا يشكلون تهديداً لهم، مما يطرد المتقدمين الواعدين.
  6.              خلاصة القول، يُعد رأس المال البشري المحرك الأساسي والقيمة الجوهرية لنجاح واستمرارية أي مؤسسة في بيئة العمل المعاصرة. وتدرك المؤسسات الناجحة أن الاحتفاظ بالمواهب ليس مجرد إجراء إداري، بل هو استراتيجية شاملة تبدأ بتوفير فرص حقيقية للتطوير والنمو المهني -وهو البعد الأكثر تأثيراً في تعزيز الانتماء التنظيمي- ولا تنتهي عند حدود المكافآت العادلة، بل تمتد لتشمل بناء مناخ تنظيمي يقوم على الثقة والشفافية.

                ومن الضروري أن تظل المؤسسات يقظة تجاه مخاطر قانون جريشام في الإدارة ومتلازمة الحوض الممتص؛ حيث إن الإدارة غير الكفؤة تعمل كقوة طاردة تدفع الكفاءات "الأكثر قدرة على الحركة" للمغادرة أولاً، مما يترك المؤسسة في دوامة من التدهور تفتقر فيها إلى القادة القادرين على إنقاذها. إن اكتشاف هذه التهديدات يتطلب أدوات تحليلية دقيقة، مثل نظام محاسبة الأصول البشرية (HRA) واستبيانات السلوك القيادي، التي تسمح للإدارة بقياس التكلفة المالية الحقيقية لدوران العمالة واستنزاف العقول.

               إن الانتقال من النظرة التقليدية للموظفين كـ "مصاريف" إلى اعتبارهم "أصولاً رأسمالية" مدمجة في التخطيط الاستراتيجي هو ما يضمن للمؤسسة ميزة تنافسية لا يمكن تقليدها. فالمؤسسة التي تفشل في رعاية "صانعي المطر" بداخلها، لا تفقد قيمتها فحسب، بل تمنح منافسيها سلاحاً للتفوق عليها، بينما المؤسسة التي تستثمر بذكاء في مواهبها هي التي تضمن صعود "النخبة" إلى القمة وتحقيق الريادة المستدامة.

in News
Mahmoud Awed March 3, 2026
Share this post
Our blogs
Archive
Sign in to leave a comment
Gapology